الشيخ محمد هادي معرفة

33

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ » . « 1 » فالذي كذب وافتضح هو إبليس ، كما جاء في القرآن ، على عكس ما جاء في التوراة ! وفارقٌ آخر : كان آدم وحوّاء متلبّسين بلباس يستر سوءاتهما قبل أن يغويهما الشيطان لينزع عنهما لباسهما ويريهما سوءاتهما . « 2 » وهذا على عكس التوراة ( المصطنعة ) تفرضهما عريانين من غير شعور بالعراء حتى إذا ذاقا الشجرة ، فعند ذلك شعرا بالعراء وحاولا التستّر بورق الجنّة . فكان اللّه قد خلقهما عريانين من غير أن يشعرا بالخجل والحياء كسائر الحيوان . فجاء إبليس ليخجرهما من العَمَه إلى العقل الرشيد ! وفارقٌ ثالث : القرآن يمجّد الإله برحمته الواسعة على العباد ، وحتّى الذين أسرفوا على أنفسهم أن لا يقنطوا من رحمة اللّه « إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » . « 3 » وبالفعل فقد تاب اللّه على آدم واجتباه مع ما فرط منه من النسيان ومخالفة وصيّة اللّه « ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى » ، « 4 » ووعده الرحمة المتواصلة والعناية الشاملة طول حياته وحياة ذراريه في الأرض « فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » . « 5 » وهذا يعطي امتداد بركات اللّه على أهل الأرض أبدا . على خلاف ما ذكرته التوراة بامتداد سخطه تعالى على آدم ، وجعل الأرض ملعونة عليه وعلى زوجه وذراريهما عبر الحياة أبدا « ملعونةٌ الأرض بسببك » . « 6 » نعم كان الإله - حسب وصف القرآن - غفورا ودودا رؤوفا بعباده . وحسب وصف التوراة : حقودا عنودا شديد الانتقام ! فأين ذاك التوافق المزعوم ليجعل مصطنعات اليهود أصلًا تفرّع منه القرآن ؟ !

--> ( 1 ) - الأعراف 20 : 7 - 22 . ( 2 ) - إشارة إلى الآية 27 من سورة الأعراف . ( 3 ) - الزمر 53 : 39 . ( 4 ) - طه 122 : 20 . ( 5 ) - البقرة 38 : 2 . ( 6 ) - سفر التكوين ، الأصحاح 3 / 17 .